ممدد على فراش المرض، ارتسمت على وجهه أمارات الإعياء والتعب، متحدثًا على غير عادته بصوت واهن تكاد لا تميزه الأذن بعد أن كان يملأ الشاشات ضجيجًا.

هكذا بدا الإعلامي والنائب الساقط عضويته «توفيق عكاشة» في آخر ظهور جماهيري له مقدمًا اعتذارًا عما صدر منه من سب وقذف فى حق رجل الأعمال «أحمد أبو هشيمة»، راجيًا منه التنازل عن القضية المرفوعة ضده أمام محكمة جنح أول أكتوبر.

ظلت تلك صورة لـ «عكاشة» مرسومة في مخيلة رفيقه تحت القبة النائب عبد الرحيم علي، رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «البوابة نيوز» وهو أيضا خبير في شئون الحركات الإسلامية، ومستشار قناة العربية لشئون الإرهاب، ومؤلف لـ 17 كتابا عن الحركات الإسلامية.

بداية ظهور الكاتب الصحفي على الساحة السياسية كانت عبر «إسلام أون لاين»، ومع الوقت ظهرت الخلافات بينه وبين إدارة الموقع، ثم التحق بجريدة الأهالي لسان حال حزب التجمع، كمراسل بمحافظة المنيا، وتعرض للفصل.

وتعد السنوات الست التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، هي الأبرز في قصة النائب عن دائرة العجوزة والدقي، وتحوله من مجرد صحفي ومتخصص في ملفات الإسلام السياسي يخرج على القنوات الفضائية، حتى أصبح يمتلك واحدة من المؤسسات الصحفية الكبيرة، ونائباً بمجلس النواب.

امتيازات جعلت الإعلامي المنياوي الأصل يحسب ألف مرة قبل أن يقدم على شطحاته الصحفية، وحال خروج البعض عن المألوف تشتعل حرب الأقلام وتناطح الرؤوس، فسرعان ما يرتدع مبديًا أسفه واعتذاره.

وحينما نبحث عما يدور في أروقة المطابخ السياسية، نكتشف حرص النظام على ضرب عبد الرحيم علي منذ اللحظة التي قرر فيها أن يخرج من عباءة مجلس النواب ويمارس مهمته الصحفية في النقد للمسئولين حيال تقصيرهم، وكأنه بمثابة اقتراب من عش الدبابير.

ففي 15 يونيو/حزيران 2015 منعت جهات غير معلومة نشر حوار عبد الرحيم علي مع الفريق أحمد شفيق، بعدما أذاعت قناة العاصمة «برومو» يتضمن إعلانًا لوقت نشر الحوار، ولم يتمكن من نشره إلا عبر موقع «يوتيوب» فقط، كما أعرب النائب عبد الرحيم عن رأيه بمصرية جزيرتي «تيران وصنافير»، وهو ذات الرأي الذي أبداه المرشح السابق أحمد شفيق خلال حواره مع وائل الإبراشى، وعلى إثره اختفى الإعلامي الكبير في ظروف غامضة من على شاشة التلفاز.

ومع قرب إقامة الانتخابات الرئاسية 2018، وجد السيسي المبرر لتضييق الخناق على «شفيق» ورجاله في الإعلام، ما دفع بعبد الرحيم علي ليبادر بنشر مقال على صفحته تحت عنوان «إنهم يسيئون لقيم الرئيس»، يعلن تبرؤه من المرشح الرئاسي السابق، ومدعيًا دعمه وانتخابه للرئيس عبد الفتاح السيسي لفترة رئاسية ثانية، ولكن يبدو أن هذا المقال قد جاء بعد فوات الأوان.


البرلمان: نحو مصير «عكاشة».. والسبب «نكتة»

تصاعدت في الآونة الأخيرة التحركات البرلمانية ضد النائب عبد الرحيم علي، وصلت إلى حد المطالبة بإسقاط عضويته فور انتهاء الإجازة النيابية مطلع أكتوبر/تشرين الأول المقبل، بعدما نشر تقريرًا عبر «البوابة» بعنوان «أقول لك نكتة: مرة واحد برلمان ي»، انتقد فيه عددًا من النواب، وذيّله بحوار مع الخبير النفسي، طالب فيه فحص القوى العقلية للبرلمانيين، الأمر الذى أدى لتوالي ردود أفعال غاضبة ضده.

كانت البداية مع تهديد واضح من النائبة زينب سالم، التي قالت في بيان رسمى صادر عنها، إنها عاكفة على إعداد مذكرة من جانب النواب تطالب بتحويل النائب عبد الرحيم علي إلى لجنة القيم؛ تمهيدا لإسقاط عضويته، ويعول النواب، في مذكرتهم، على تقرير نشرته «البوابة نيوز»،للسخرية من مواقف بعض النواب، مثل تورط أسامة شرشر في إرسال مقاطع جنسية لزملائه، ومطالبة إلهامي عجينة بالكشف عن عذرية فتيات الجامعات.

وعندما نعود للوراء قليلًا ومنذ عام واحد فقط تقدم مؤسس جبهة «حماية مصر» المحامي عبد المجيد جابر بطلب من رئيس مجلس النواب علي عبد العال لرفع الحصانة البرلمانية عن النائب عبد الرحيم علي، وقال مقدم البلاغ وقتها إن العضو البرلماني متورط في «فضائح جنسية».

من جهته، قدم عبد الرحيم علي اعتذارًا لرئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال عما نشر في الجريدة، كما خصّصت «البوابة» الصفحة الخامسة من عددها مساحة تحت عنوان «إنجازات برلمان 30 يونيو في 500 ساعة».

عبد الرحيم علي، البوابة، 30 يونيو
عبد الرحيم علي، البوابة، 30 يونيو

الداخلية: سلاح الحجب.. «احنا رايحين على فين؟»

مصر وصلت للحضيض..أنا مش فاهم احنا رايحين على فين.

بهذه الكلمات صرخ منفعلًا عبد الرحيم علي في مؤتمر صحفي داخل البرلمان، على خلفية منع مطابع الأهرام التابعة للحكومة طباعة أعداد جريدة البوابة نيوز، ما يشير إلى انتهاء شهر العسل مع الداخلية.

فمن ضمن الأسباب التي أدت لتوتر العلاقات بين الكاتب وقوات الشرطة، تسخيره لجريدته لشن هجوم على وزير الداخلية الحالي اللواء مجدي عبد الغفار، مرجعًا منع طباعة عدد جريدة البوابة 9 مارس/آذار 2017؛ إلى نشرها تقريرًا صحفيًا بعنوان «من الداخلية إلى العادلي.. كل سنة وأنت هارب يا باشا»، تناول فشل وزارة قوات الشرطة في القبض على اللواء حبيب العادلي وزير داخلية الرئيس الأسبق حسني مبارك، الهارب من حكم بالسجن لسبع سنوات في القضية المعروفة إعلاميا بـ «فساد الداخلية».

يشار إلى أن تلك المصادرة تعد الثالثة لجريدة «البوابة»، حيث أقدمت السلطات المصرية على مصادرة عدد يوم 10 إبريل/نيسان الماضي من الصحيفة، على خلفية تقارير تحمل انتقادات لوزير الداخلية بعد سلسلة من التفجيرات استهدفت كنيستين، بالغربية والإسكندرية.

عبد الرحيم علي، البوابة، عبد الفتاح السيسي
عبد الرحيم علي، البوابة، عبد الفتاح السيسي

ومصادرة أعداد الجريدة لا يتسق مع ما بدا على الإعلامي من قربه لأجهزة الدولة ودوائر حكومية؛ ما يجعل الانقلاب عليه أمرًا صادمًا، حيث عرض برنامج «الصندوق الأسود» الذي تولى تقديمه خلال عامي 2015 و2016، وتسبب في شهرة واسعة لعبد الرحيم علي حتى سُمي بإعلامي «التسريبات»، وعرض خلال بثه عشرات التسجيلات الصوتية المسربة من بعض الجهات الأمنية لسياسيين وإعلاميين ومعارضين للنظام في إطار تشويههم.

وزاد من توتر علاقة النائب البرلماني بقوات الأمن، استنكاره مؤخرًا لتغيير وزارة الداخلية الحراسة الخاصة به بشكل مفاجئ، موضحًا عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «تحدث أشياء غريبة منذ إعلان تنظيم داعش عن استهداف العاملين بجريدة البوابة، ففي الوقت الذي لم يتم اتخاذ أي إجراء من أجل تأمين المؤسسة والعاملين بها تقوم الوزارة في خطوة مفاجأة بتبديل الحراسة المرافقة لي بأشخاص لا يعرفون طبيعة تحركاتي»، متسائلًا عن علاقة ذلك الأمر بموقفه المعلن من أداء وزير الداخلية.

ومن جانبها، شنت صفحة الشرطة المصرية هجومًا لاذعًا على «علي» كاشفةً دهاليز أدراج عبد الرحيم علي الإعلامية، واصفةً جريدة مقدم «الصندوق الأسود» بـ «بوابة العمل الأسود».


صحف الدولة: الضرب تحت الحزام

حملة شعواء شنتها عدد من الصحف التابعة للدولة، ردًا على بعض المضامين التي نشرت في أعداد جريدة البوابة، كان أبرزها انتقادًا لمحاولات النائب المحسوب على النظام المصري إعادة جمال مبارك نجل الرئيس الأسبق للصورة مجددًا عن طريق نشر استطلاع رأي لترشحه في انتخابات الرئاسة 2018، بعدها بأيام فاجأ الجميع بعنوان صادم في صدر الصفحة الأولى «كرهت الله» لموضوع يتعلق بالإلحاد.

وواصلت البوابة نشر موضوعاتها المثيرة، ففي يوم وقفة عرفة نشرت الصحيفة تقريرًا تحت عنوان «اليوم.. خمر ونساء» مرفقة الخبر بأسعار المخدرات وارتفاعها تزامنًا مع دخول عيد الأضحى وكذلك عدد الضبطيات فيما يتعلق بمجال الدعارة.

ومن جانبها، أفردت صحيفة «المساء» صفحة كاملة عن «عبد الرحيم»، وقالت الصحيفة إنه «إعلامي اشتهر بابتزاز المرشحين من خلال تسريب تسجيلات صوتية»، وإنه يوصف تحت قبة البرلمان بـ«النائب سيئ السمعة، واعتبرت أن «إعلامي التسريبات» يملك ثروة مالية طائلة، غير معلومة المصدر، مع الإشارة إلى التمويل الضخم الذي يتلقاه من دولة الإمارات.

عبد الرحيم علي، جريدة المساء
عبد الرحيم علي، جريدة المساء

وفي ذات السياق، وتحت عنوان «قصة صعود وسقوط الصعلوك»، سردت صحيفة الجمهورية تحقيقًا عن تاريخ النائب وبداية عمله في الصحافة، كما نشرت مقالاً مطولاً للممثل «تامر عبد المنعم»، تحت عنوان «عبد الرحيم علي.. من مساكن الزلازل إلى نيو جيزة»، تطرق فيه إلى رحلة الإعلامي من السكن بمنطقة شعبية للإيواء إلى الإقامة في أرقى الفيلات.

وكان موقع البوابة في العدد المصادر من قبل المطابع الحكومية، نشر خبرًا بأن الهيئة الوطنية للصحافة تدرس تحويل صحيفة الجمهورية إلى إصدار أسبوعي بسبب الخسائر الضخمة التي تحققها؛ إثر انهيار نسب التوزيع إلى ما دون السبعة آلاف نسخة وأقل، ووصول حجم مديونية الصحيفة لدى البنوك إلى نحو 2.5 مليار جنيه، وهو ما نفاه كرم جبر رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، في منشور له على حسابه الرسمي بموقع فيسبوك، واصفا الخبر بالكاذب.


وأخيرًا

عبد الرحيم علي، جريدة الجمهورية
عبد الرحيم علي، جريدة الجمهورية

أرسل «مكرم محمد أحمد»، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أربعة خطابات لرؤساء تحرير كل من البوابة نيوز والمساء والجمهورية وروز اليوسف، لوقف الحملات الصحفية والإعلامية بينهم تمهيدا لبدء التحقيق في الشكاوى المتبادلة، وتبدأ لجنة الشكاوى التحقيقات الأسبوع المقبل في المخالفات الإعلامية التي وردت في البوابة نيوز بخصوص إهانة المشاعر المقدسة، فضلا عن نشر أخبار كاذبة عن منع البابا تواضروس من الصلاة في أستراليا، وأخيرا ما نشر بخصوص الزواج السري لأم كلثوم في ظل نفي أسرتها وأسرة الراحل محفوظ عبد الرحمن لما نشر.

عبد الرحيم علي، البوابة
عبد الرحيم علي، البوابة

ومن جانبه، كشف الكاتب الصحفي عبد المحسن سلامة نقيب الصحفيين، عن جهوده للتدخل لوقف الحملات الإعلامية المتبادلة بين جريدتي الجمهورية والبوابة، تمهيدا للتصالح فيما بينهم.

إجمالًا، فإن الأيام القادمة تكشف مصير عبد الرحيم علي، إما أن يتم إرساله إلى دكة الاحتياطي على غرار «عكاشة» و«الإبراشي» بعد تجاوز الخطوط الحمراء، أو يظل يفتح بوابته لـ «عش الدبابير».